محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال أبو جعفر : وقوله : لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وذلك الحق هو القبلة التي وجه الله عز وجل إليها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، يقول : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ التي كانت الأَنبياء من قبل محمد صلى الله عليه وسلم يتوجهون إليها . فكتمتها اليهود والنصارى ، فتوجه بعضهم شرقا وبعضهم نحو بيت المقدس ، ورفضوا ما أمرهم الله به ، وكتموا مع ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجحدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فأطلع الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على خيانتهم عباده وكتمانهم ذلك وأخبر أنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيره وأن الواجب عليهم من الله جل ثناءه خلافه فقال : ليكتمون الحق وهم يعلمون أن ليس لهم كتمانه فيتعمدون معصية الله تبارك وتعالى كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فكتموا محمدا صلى الله عليه وسلم . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ قال : يكتمون محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل . حدثنا المثنى قال : ثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني القبلة . القول في تأويل قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يقول الله جل ثناؤه : اعلم يا محمد أن الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده ، لا ما يقول لك اليهود والنصارى . وهذا من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه الصلاة والسلام عن أن القبلة التي وجهه نحوها هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ، ومن بعده من أنبياء الله عز وجل . يقول تعالى ذكره له : فاعمل بالحق الذي أتاك من ربك يا محمد ولا تكونن من الممترين ، يعني بقوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي فلا تكونن من الشاكين في أن القبلة التي وجهتك نحوها قبلة إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأَنبياء غيره كما : حدثني المثنى ، قال : حدثني إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه الصلاة والسلام : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يقول : لا تكن في شك أنها قبلتك وقبلة الأَنبياء من قبلك حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قال : من الشاكين ؛ قال : لا تشكن في ذلك . والممتري : مفتعل من المرية ، والمرية هي الشك ، ومنه قول الأَعشى : تدر على أسؤق الممتري * ين ركضا إذا ما السراب أرجحن فإن قال لنا قائل : أو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكا في أن الحق من ربه ، أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره حتى نهي عن الشك في ذلك فقيل له : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قيل : ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأَمر أو النهي للمخاطب به والمراد به غيره ، كما قال جل ثناؤه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ثم قال : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فخرج الكلام مخرج الأَمر للنبي صلى الله عليه وسلم والنهي له ، والمراد به أصحابه المؤمنون به . وقد بينا نظير ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها يعني بقوله تعالى ذكره : وَلِكُلٍّ ولكل أهل ملة ، فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ قال : لكل صاحب ملة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فلليهود وجهة هو موليها وللنصارى وجهة هو موليها ، وهداكم الله عز وجل أنتم أيتها الأَمة للقبلة التي هي قبلته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت ل‌عطاء قوله : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها قال : لكل أهل دين اليهود والنصارى . قال ابن جريج قال مجاهد : لكل صاحب ملة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها قال لليهود قبلة ، وللنصارى قبلة ، ولكم قبلة . يريد المسلمين . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :